ابن خلدون
124
رحلة ابن خلدون
فأعانني الوزير مسعود عليه ، حتى أذن لي في الانطلاق على شريطة العدول عن تلمسان ، في أي مذهب أردت ، فاخترت الأندلس ، وصرفت ولدي وأمّهم إلى أخوالهم ، أولاد القائد محمد بن الحكيم بقسنطينة ، فاتح أربع وستين . وجعلت أنا طريقي على الأندلس ، وكان سلطانها أبو عبد الله المخلوع ، « 273 » حين وفد على السّلطان أبي سالم بفاس ، وأقام عنده ، حصلت لي معه سابقة وصلة ووسيلة خدمة ، من جهة وزيره أبي عبد الله بن الخطيب ، « 274 » وما كان بيني وبينه من الصحابة ، فكنت أقوم بخدمته ، وأعتمل في قضاء حاجاته في الدولة . ولما أجاز ، باستدعاء الطاغية لاسترجاع ملكه ، حين فسد ما بين الطاغية وبين الرئيس المتوثّب عليه بالأندلس من قرابته ، خلفته فيمن ترك من عياله وولده بفاس ، خير خلف ، في قضاء حاجاتهم ، وإدرار أرزاقهم ، من المتولّين لها ، والاستخدام لهم . ثم فسد ما بين الطاغية وبينه ، قبل ظفره بملكه ، برجوعه عمّا اشترطه له ، من التجافي عن حصون المسلمين التي تملّكها بأجلابه ، ففارقه إلى بلد المسلمين ، ونزل بأسجة . « 275 » وكتب إلى عمر بن عبد الله يطلب مصرا ينزله ، من أمصار الأندلس الغربية ، التي كانت ركابا لملوك المغرب في جهادهم ، وخاطبني أنا في ذلك ، فكنت له نعم الوسيلة عند عمر ، حتى تمّ قصده من ذلك . وتجافى عن رندة وأعمالها ، فنزلها وتملّكها ، وكانت دار هجرته ، وركاب فتحه ، وملك منها الأندلس أواسط ثلاث وستّين ، واستوحشت أنا من عمر ، إثر ذلك كما مرّ . وارتحلت إليه ، معوّلا على سوابقي عنده ، فغرّب في المكافأة كما نذكر ( إن شاء الله تعالى ) .
--> ( 273 ) سبق التعريف به في هامش ص 39 . ( 274 ) لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد المعروف بابن الخطيب ( 713 - 776 ) انظر بروكلمن 2 / 262 ، والملحق 2 / 372 حيث ذكر المراجع عنه ، ومؤلفاته . ( 275 ) أسجة Ecija ) قيدها ابن خلدون بالقلم ، بفتح الهمزة ، وكسر السين المخففة ، عرضها الشمالي 30 - 37 ، وطولها الغربي 8 - 5 . تقع في الجنوب الغربي لقرطبة على بعد نحو 54 كيلومترا . ويقال لها أيضا إستجة ، وتحت هذا الاسم تجدها في الروض المعطار ص 14 - 15 ، ياقوت 1 / 224 .